المرأة والمجتمع المدني

مشروع تعديل قانون الاحوال الشخصية .. دعوة لتعطيل المساوة امام القانون

   
48 مشاهدة   |   1 تقييم
تحديث   05/06/2017 10:03 صباحا

هادي عزيز علي*

قانون الاحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 يُعدّ واحدا من اهم المنجزات التشريعية في محيطنا الاقليمي، ووضع في موضع التطبيق منذ مدة تقرب من الستين عاما، وخلال هذه الفترة الطويلة نسبيا لم يكن القانون محلا لشكوى المتداعيين او قضاة الاحوال الشخصية او الاسرة ، فهو مكّن من تنظيم حياة المواطنين في الزواج وحقوق الزوجة من مهر ونفقة وطلاق وتفريق ونسب وإرث ووصاية وقيمومة ووصاية وسواها من الحقوق.

ومما يحسب له من رصانة النصوص قدرتها على الحفاظ على تماسك  الاسرة اثناء الحرب العراقية الايرانية، حيث مكّن النساء فاقدات ازواجهن من احتضان اطفالهن ومكّن الاطفال من العيش في دفء كنف العائلة حتى وصولهم بر الامان، بدلاً من انتزاع الحضانة من الامهات وتمزيق العائلة حسبما تقضي بذلك بعض الرؤى المذهبية الواقفة وراء التعديل المقترح.

يخطئ مَنْ يظن ان قانون الاحوال الشخصية يبتعد عن احكام الشريعة الاسلامية، فهو استمد احكامه منها ، إلا ان حكمة وحصافة المشرع حينذاك جعلته ينتقي الاحكام الشرعية - من دون التقيّد بمذهب معين -  ليسكبها في قاعدة قانونية كانت محل رضا الغالبية من الشعب العراقي. ومثال ذلك عندما جعل بنت او بنات المتوفى، يحجبن اعمامهن وعماتهن في الإرث، فهذا الحكم المأخوذ عن المذهب الجعفري لم يشكل ضيقا او رفضا لمقلدي المذهب الحنفي او مذاهب الجماعة الاخرى، بل ان الوقائع المشهودة قبل تشريع القانون تسجّل ذهاب كثير من الاحناف الى التشيّع بغية حماية بناتهم من مزاحمة اخوتهم لهن في الميراث . وبهذا المنحى فانه اوجد نصا يصلح ان يكون محلا لسيادة القانون فضلا عن ارسائه  اللبنة الاولى للبناء المؤسسي للدولة .

مشروع التعديل المقترح يتكون من مواد عدة، وهو يعبر عن وجهة نظر واضعيه وهي من دون شك نظرة مذهبية بامتياز. ونحاول هنا ان نضع نصوص المشروع موضع المناقشة لكي نتمكن من القول بان تشريعه يستقيم او يتطابق مع نصوص الدستور من عدمه ونبدأ بالمادة الاولى منه:

المادة الاولى

 أ- (يجوز للمسلمين الخاضعين لاحكام هذا القانون تقديم طلب الى محكمة الاحوال الشخصية المختصة لتطبيق الاحكام الشرعية للاحوال الشخصية وفق المذهب الذي يتبعونه).

ب – تلتزم المحكمة المختصة للاشخاص الوارد ذكرهم في الفقرة (أ) من هذا البند عند اصدار قراراتها في جميع المسائل التي تناولتها نصوص قانون الاحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل وغيرها من المسائل المتعلقة بالاحوال الشخصية ،  واتباع ما يصدر عن المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي ، والمجلس العلمي والافتائي في ديوان الوقف السني ، وتبعا لمذهب الزوج ، ويصح ان يكون سببا للحكم.

ج – يلتزم المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي باجابة المحكمة عن استيضاحاتها وفقا للمشهور من الفقه الشيعي وفتاوى الفقهاء الاعلام، وعند عدم الشهرة يؤخذ برأي (المرحع الديني الاعلى) الذي يرجع اليه في التقليد اكثر الشيعة  في العراق  من فقهاء النجف الاشرف.

د – يلتزم المجلس العلمي والافتائي في ديوان الوقف السني باجابة المحكمة عن استيضاحاتها وفقا للمشهور من الفقه السني].ولنفترض ان مجلس النواب وتحت ضغط الخطاب السياسي الديني أقر هذا المشروع ووضعه موضع التنفيذ. هنا نبدأ مناقشة احكام هذه المادة، وما ستكون عليه الحال بعد التطبيق، آخذين بنظر الاعتبار ما استقرت عليها لاراء  الفقهية المتناشزة  في كل مذهب  ولنضرب امثلة على تلك الاراء وعلى الوجه التالي :

1. سن البلوغ :  هذا السن يكون عادة مرادفا لسن الزواج . ولنأخذ البنت نموذجا والسن المثبت شرعا لكي  بخمس عشرة سنة، والجعفرية بتسع سنوات، فاذا تزوج الجعفري بنتا بعمر تسع سنوات فلا جناح عليه من الوجة الشرعية والقانونية - حسب نص المشروع -  لأن الغالب من فقهاء المذهب يقولون بذلك. والجدير بالذكر ان هذه السن لم تكن معروفة لدى الجعفرية  قبل مرحلة الطوسي الى الآباء المؤسسين للمذهب، وكانوا في تلك الفترة يضعون معيارا موضوعيا مفاده: ( الولد اذا احتلم والبنت اذا بلغت مبلغ النساء)، مستندين الى الآية: (واذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ) (59 النور)، وهذا ما افتى به الراحل آية الله يوسف صانعي في كتابه " مقاربات في التجديد الفقهي".

الى هنا يبدو الموضوع لا اشكال فيه، ولكن اذا تزوج رجل على مذهب المالكية طفلة عمرها تسع، فان هذا يشكل مخالفة شرعية تفضي الى مخالفة قانونية، وبالامكان رفع الشكوى ضده لمواقعة قاصر وينال عقوبة مواقعة القاصر التي حددها قانون العقوبات  تبعا لذلك، في حين ان هذا العقاب لاينطبق على الجعفري مادام المذهب الذي يقلده  ينشر الاباحة للزواج منها  وفي تلك السن.

2. الحرمة من الرضاعة: اختلافات المذاهب في كمية الحليب الواجب لنشر الحرمة من الرضاعة، فقد قالت المالكية بنشر الحرمة بمجرد حصول الرضاع كثيرا كان أم قليلا، اما الشافعية والحنابلة فقالوا بخمس رضعات مشبعات على الاقل، في حين لم يشترط الاحناف ان تكون المرضعة على قيد الحياة ، فاذا ماتت ودبّ اليها الطفل وارتضع من ثدييها فان ذلك يكفي للتحريم. المذهب الجعفري يتطلب خمس عشرة رضعة كاملة لا يفصل بينهما رضعة امرأة اخرى.

فاذا تزوج رجل على المذهب الحنفي  من بنت رضع معها ثلاث رضعات على سبيل المثال، وهي اخته بالرضاعة حسب المذهب المذكور، فان بالامكان رفع الشكوى  ضده للقيام بالزنى بالمحارم، في حين ان الجعفري الذي يتزوج من بنت رضع معها اربع عشرة رضعة يكون زواجه منها  متفقا واحكام المذهب الجعفري ولا جناح عليه فيما فعل شرعا وحسب احكام المشروع.

.3  مدة الحمل : اقصى مدة حمل لدى الاحناف سنتان، لقول عائشة ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين. اما عند المالكية والشافعية والحنابلة فاربع سنوات، مستندين في ذلك الى أمرأة عجلان كان الحمل يمكث في بطنها اربع سنين. اما الجعفرية  فالراجح لديهم في مدة الحمل تسعة أشهر، وقال بعضهم عشرة اشهر وآخر قال سنة، واجمعوا على ان لا تزيد مدة الحمل على سنة.

في الفقرة 1 من مشروع التعديل المتعلقة بسن الزواج والفقرة 2 المتعلقة بالحرمة من الرضاعة، تتم تجزئة وحدة العقاب المفروضة على المخالفين للنصوص القانونية  الواردة فى قانون العقوبات ويجعله المشروع ينطبق على بعض العراقيين دون البعض الاخر، فالحنفي يأثم ويطاله العقاب، في حين يفلت الجعفري منه للاباحة الفقهية في مذهبه. وبذلك لا يعود العراقيون متساويين امام القانون، وهكذا يوصلنا مشروع القانون والواقفون خلفه الى النيل من واحدة من اهم القواعد الدستورية الواردة في المادة 14 من الدستور التي تنص على: (العراقيون  متساوون امام القانون دون تمييز بسبب الجنس او العرق او القومية او الاصل او اللون او الدين او المذهب او المعتقد او الرأي او الوضع  الاقتصادي او الاجتماعي). ومن خلال الوضع المبسوط اعلاه ظهر جليا ان المشروع لا يجعل العراقيين متساوين امام القانون ويتم التمييز بيبنهم على اساس المذهب ، وبذلك يكون المشروع قد دعى الى الغاء المادة 14 من الدستور.

تلك كانت نماذج من المختلف الذي تظهره المذاهب ولا نريد الخوض في المزيد من مواضيع الاحوال الشخصية  المختلف عليها كالزواج والمهر والنفقة والعدة والنسب والوصية والارث والزواج من غير المسلمة والطهر والحيض  وسواها من العديد من المواضيع التي تحفل بها مطولات الفقهاء، والتي ينزع المشروع في حشرنا بها تأصيلا للهوية الجزئية وابتعادا عن الانسان القانوني  الذي يطمح  بسيادة القانون.

الموضوع الثاني الذي جاءت به المادة الاولى من المشروع هو وضع القضاء تحت هيمنة دوائر الوقف. معروف ان الوقف الشيعي او السني او الديانات الاخرى هي دوائررسمية  تنفيذية تتعلق بادارة  اموال الوقف، اذ يعرف  الوقف بانه: ( حبس العين وتسبيل المنفعة)، وعمل الاوقاف على وفق هذا التعريف لا علاقة له بالجانب الشرعي او الافتاء  والعمل الذي تقوم به هذه الدوائر هو ادارة اموال الاعيان الموقوفة وهو عمل من الاعمال التنفيذية  وتعمل تحت أمرة السلطة التنفيذية، والاوقاف سلطة تنفيذية حسب احكام القانون الاداري، فهل للسلطة التنفيذية ولاية على اعمال القضاء مع صرامة النص الدستوري الذي يقضي بالفصل بين السلطات. بالامكان تصور القضاء وهو يعمل تحت إمرة العمائم والروزخونية.

ثم ان المشروع يتناقض مع حكم المادة الاولى من قانون الاحوال الشخصية التي لا تجّوز الحكم بمقتضى مبادئ الشريعة الاسلامية او المذاهب الاسلامية ما دام النص القانوني موجودا، فالنص القانوني يمنع الحكم الشرعي  استنادا لنص المادة الاولى من القانون التي جعلت سريان القانون على جميع المسائل المتعلقة بالاحوال الشخصية التي تناولتها النصوص. اما في حالة غياب النص فيمكن التطبيق بمقتضى مبادئ الشريعة الاسلامية الاكثر ملاءمة لنصوص هذا القانون. وهذا يعني ان مبادئ الشريعة الاسلامية التي لا تتفق مع الرؤية التشريعة للقانون لا محل لها في التطبيق ومن حق القاضي اهدارها وعدم الأخذ بها.

* قاض متقاعد

موقع جريدة المدى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 




Copyright © 2016 www.iraqiyat.com. All rights reserved
3:45