تقارير وتحقيقات

كيف قاومت الإيطاليات الحكم النازي بالكلمة؟

   
28 مشاهدة   |   0 تقييم
تحديث   12/10/2017 5:57 مساءا

عند غروب الشمس في مدينة تورينو بإيطاليا إبان الحكمين الفاشي والنازي، كانت شبكة المطابع السريّة في المدينة تضجّ بالحياة بقيادة مجموعة من النساء المعارضات.

أغلقت السلاسل حول دراجتي الهوائية الحمراء، ودخلت إلى فناء مدبغة "كونتشيريا فيوري" السابقة، حيث بدت الطاولات والمقاعد الخاصة بحانة المشروبات خالية من الزوار، لأن موعد فتح أبوابها لم يكن قد حان بعد.

دخلت المبنى الرئيسي، وتوجهت إلى السطح حيث يقدم مطعم بيتزا "دي ميستيري" معكرونة مصنوعة بطريقة منزلية، وشوكولاتة مصنوعة يدوياً. لكنني لم آت من أجل الطعام، بل لأعرف أكثر عن الجهود التي بُذلت هنا وفي أنحاء مدينة تورينو في إيطاليا لمناهضة الفاشية خلال الحرب العالمية الثانية.

قصة النجار الذي حاول اغتيال هتلر

وبعد أن أوضحت مقصدي للنادلة في هذا المطعم، جاءت بحلقة للمفاتيح من أسفل مقعد مخصص لجلوس صاحبة المطعم، وطلبت مني اللحاق بها.

قادتني النادلة إلى خارج المطعم باتجاه طريق يؤدي إلى قبو، وظهر أمامنا باب حديث الطراز يقود إلى ممر حجري سري باتجاه ما يعرف هناك بـ"الكهف"، وهو غرفة طعام خاصة مليئة بمئات الزجاجات من أفخر أنواع الخمور.

ومنذ 70 عاماً، لا تزال هذه الغرفة التي تقع في نهاية الممر السري، تضم منشورات مناهضة للفاشية أغلبها من إنتاج نساء المدينة.  

الصحفية لي ميلر: لقطة في حوض استحمام هتلر

أدت الحرب العالمية الأولى إلى انتشار الفاشية في إيطاليا بشكل كبير، ومع انتشارها في أنحاء البلاد بعد الحرب، واستحواذها على الاقتصاد المحلي، وخنقها للحريات الاجتماعية، نمت ببطئ وثبات حركة معارضة قوية للفاشية.

وقد أدى سقوط حكم بينيتو موسوليني عام 1943 واحتلال ألمانيا النازية لإيطاليا، إلى تكثيف عمل المعارضة التي عُرفت رسمياً بـ"لا ريزيستنتسا" أي "المقاومة".

وعندما كان يسود الظلام ساحات تورينو، وينهي العاملون في مدبغة "كونتشيريا فيوري" عملهم في الليل بعد أن اكتست أيديهم برائحة الجلود، تخرج المنشورات المعارضة إلى النور، متمثلة في بعض الكتيّبات، ونسخ ورقية لصحيفة "لا ريسكوسا إيتاليانا" المناهضة للفاشية.

وكانت الصحيفة المعارضة تنتقد صحيفة "لا ريسكوسا" الحكومية - التي كانت تنشر أخباراً تمدح هتلر ونظامه النازي - وكانت تنشر مقالات عن تفاصيل جهود حركة مناهضة الفاشية، إضافة إلى كشف زيف أخبار نظيرتها الحكومية الفاشية.

لكن مَن كان يُقبض عليه متلبساً بالكتابة في صحيفة "لا ريسكوسا إيتاليانا" المعارضة، أو توزيعها، يتعرض إما للضرب، أو الاعتقال، أو القتل.

وقد ساهم في نشر صحيفة سرية مثل "لا ريسكوسا إيتاليانا" شبكة واسعة من المساهمين الموثوق بهم، واستطاعت آدا غوبيتّي - أرملة الفيلسوف الإيطالي بييرو غوبيتي المناهض للفاشية - الحفاظ على استمرار نشر المطبوعات المعارضة بشكل مثالي.

كتاب هتلر "كفاحي" يباع في ألمانيا لأول مرة منذ 70 عاما

ولأن النساء لم يتمتعن بحق التصويت أو المساهمة في أية أنشطة حكومية حتى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لم تكن هناك شكوك حولهن في القيام بأعمال سياسية، لذا كان من المتاح أمامهن الكتابة عن نشاطات المقاومة، وتوزيع منشورات المعارضة بسهولة. وبقيادة غوبيتّي، كانت نساء حركة المقاومة الإيطالية يكتبن المنشورات، وينقلنها، ويوزعّنَها.

ونُشرت يوميات غوبيتّي، التي كانت تكتبها بالرموز، بعد فك تشفيرها تحت عنوان "يوميات مناضلة". وتصف اليوميات نشاطها عندما كانت وزميلاتها اللاتي يوزعن المنشورات المعارضة يجلسن حول المدفأة في بيتها الواقع في 6 شارع "فيا فابرو" في تورينو لكتابة المنشورات أو التخطيط لتوزيعها.

بعد زياراتي لساحة مدبغة كونتشيريا فيوري، قدت دراجتي لمسافة كيلومترين باتجاه الجنوب الشرقي للمدينة، متجهة إلى عنوان آدا غوبيتّي القديم في مركز مدينة تورينو.

أصبح بيت غوبيتّي - الذي لم يُكتشف كموقع للاجتماعات السرية للمعارضة آنذاك - أرشيفاً لأعمالها، بما في ذلك المنشورات النسوية الوحيدة المتبقية مما تم توزيعه خلال الحرب. ويحمل ذلك البيت اليوم اسم "مركز دراسات بييرو غوبيتّي".

وتقول آنجيلا آرتشيري، وهي إحدى طالبات آدا غوبيتّي وتعمل في المركز "كان التضامن من أهم الأمور لدى آدا غوبيتي، وكانت تؤمن بأن التوعية هي السبيل إلى ذلك، وفعلت ذلك من خلال منشوراتها المعارضة للفاشية".

وأوضحت آرتشيي كيف أن الحكومة الفاشية الإيطالية علّمت النساء أن دورهن لا يخرج عن حدود المنزل، بينما أدى إصرار غوبيتي على إشراك النساء في حركة المقاومة إلى إتاحة الفرصة لهن للنضال من أجل حقوقهن.

وأضافت آرتشيي "أنا أنظر إلى السيدة آدا كواحدة من أوائل الشخصيات النسائية الإيطالية المدافعة عن حقوق المرأة".

عندما جلست على الطاولة الخشبية الثقيلة في مكتبة المركز، وبينما كنت أعيد مجموعة منشورات "لا ريزيستينتسا" (المقاومة) إلى الأرشيف، كنت أرى حافة النافذة، التي أخبرتني آرتشيري عن قصتها.

فقد كانت آدا تضع إصيصاً من الزهور على حافة النافذة لترسل إشارة لرفيقاتها بأن المكان آمن للدخول، ربما من أجل التخطيط لنقل المنشورات المحظورة، أو حتى لمجرد الترحيب بهن، وفكرت كم كانت النساء في ذلك الوقت يخاطرن بحياتهن.

ورغم أني شعرت كم كانت الصحف خفيفة الوزن بين يدي، إلا أنه لا يمكن تجاهل قوة تأثيرها آنذاك.

كتابة ــ  الصحفية سوزان كوب

BBC




Copyright © 2016 www.iraqiyat.com. All rights reserved
3:45